الشيخ محمد رشيد رضا
669
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
المراد به ان اللّه خلق في قلوب بعض الأمم تزيينا للكفر والشر وفي قلوب بعضها تزيينا للايمان والخير خلقا ابتدائيا ، من غير أن يكون لهم عمل اختياري نشأ عنه ذلك . إذ لو كان الامر كما ذكر لكان الايمان والكفر والخير والشر من الغرائز الخلقية التي تعد الدعوة إليها والترغيب فيها ، وما يقابلهما من النهي والترهيب عنها من العبث الذي يتنزه اللّه تعالى عن ارسال الرسل وأنزل الكتب لأجله ، ولكان عمل الرسل والحكماء والمؤدبين الذين يهددون الناس ويزكونهم بالتأديب - كله من الجنون ، ومن لوازم ذلك ان يكون التفاوت بين الأخيار ولاشرار من الناس كالتفاوت بين الملائكة والشياطين وهو خلاف المقطوع به عقلا ونقلا من استوائهم في قابلية كل منهم للايمان والكفر والخير والشر ، وقد غفلت المعتزلة عن هذا التحقيق فأول بعضهم الآية بأنها خاصة بالمؤمنين الذين زين اللّه في قلوبهم الايمان ، وبعضهم بغير ذلك ، واحتج بها بعض الجبرية في الظاهر والباطن معا وبعض الأشعرية الذين يعتقدون الجبر ويقيمون الحجج لاثباته ويتبرؤن من لفظه والانتساب إلى أهله - احتج كل منهما بأنها نص في مذهبه ، وقد تفلسف الرازي في الاستدلال على أن تزيين الكفر بخلق اللّه تعالى من غير اختيار للعبد فزعم أن الانسان لا يختار الكفر والجهل ابتداء مع العلم لكونه كفرا وجهلا وإنما يختاره لاعتقاده كونه إيمانا وعلما وصدقا وحقا ، فلو لا سابقة الجهل الأول لما اختار هذا الجهل الثاني ، وذلك الجهل السابق ان كان اختيار يا يقال فيه مثل ما قيل فيما قبله محال فيلزم التسليل المحال وقال « لما كان ذلك باطلا وجب انتهاء تلك الجهالات إلى جهل أول يخلقه اللّه تعالى فيه ابتداء وهو بسبب ذلك الجهل ظن في الكفر كونه إيمانا وحقا وعلما وصدقا ، فثبت انه يستحيل من الكافر اختيار الجهل في قلبه » اه ويبطل هذا الدليل الذي سماه قطعيا ان الجهل أمر سلبي ، لا يوصف بأنه خلق ابتدائي ، وأنه ليس كل كفر مزينا لصاحبه باعتقاده انه حق وعلم وصدق كما زعم ، بل شر الكفر وأشده كفر الجحود والعناد والمكابرة ، وانما يزينه الشيطان لصاحبه بعدّه من عزة النفس وشرفها ، بالامتناع من اعترافها بما تراه عارا عليها وعلى الآباء والأجداد ، باتباع من هو دونها في الشرف والجاه ، كما عرف من شأن الجاحدين ، من رؤساء الأمم المترفين ، مع الأنبياء المرسلين ، وورثتهم من العلماء المصلحين ،